يعيش لبنان على وقع مخاض سياسي جديد بعد إعلان حكومة نواف سلام حظر أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيدًا غير مسبوق بين إسرائيل وحزب الله بالتزامن مع الحرب الإقليمية الدائرة.
وفي خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة في تاريخ العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، أعلنت الحكومة اللبنانية حظر جميع الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، مؤكدة أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصريًا بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وجاء القرار بعد هجوم نفذه الحزب بالصواريخ والمسيّرات على إسرائيل، قال إنه ردًا على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، قبل أن ترد إسرائيل بضربات جوية واسعة على لبنان.
وقال رئيس الوزراء نواف سلام، عقب جلسة لمجلس الوزراء في 2 مارس/آذار، إن الدولة ترفض أي عمل عسكري ينطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسساتها الشرعية، معتبرًا أن ذلك يقتضي “الحظر الفوري” لكل الأنشطة العسكرية والأمنية التابعة لحزب الله بوصفها أنشطة خارجة عن القانون، مع إلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية.
ويعكس القرار، بحسب تقديرات سياسية، تحولًا واضحًا في ميزان القوى الداخلي، بعد التراجع الذي أصاب موقع حزب الله منذ حرب 2024، ثم بعد دخول لبنان مجددًا في مواجهة عسكرية واسعة إثر قرار الحزب فتح جبهة النار دعمًا لإيران.
ووصفت رويترز الخطوة بأنها “تحول كبير في توازن القوى” في لبنان، فيما ربطت تقارير أخرى بين القرار وتصاعد الضغوط الرسمية لاحتكار الدولة للسلاح ومنع جر البلاد إلى صراع إقليمي أوسع.
وجاءت الخطوة أيضًا على خلفية انتقادات داخلية متزايدة للحزب، إذ نقلت رويترز عن مصادر سياسية لبنانية أن قرار الهجوم فتح شرخًا مع حليفه الداخلي الأبرز، رئيس مجلس النواب نبيه بري، كما أعاد إلى الواجهة انتقادات قديمة في لبنان تعتبر أن الحزب يعمل كـ“دولة داخل الدولة” ويقود البلاد مرارًا إلى حروب لا يقررها اللبنانيون جميعًا.
كما تحدثت الوكالة عن “إحباط أوسع” حتى داخل بيئته الشيعية، وعن اتهامات للحزب بأنه قدّم مصالح إيران على حساب الاستقرار اللبناني.
وبحسب رويترز، فإن وزراء محسوبين على حركة أمل لم يصوتوا ضد المرسوم الذي حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، فيما قال مصدر سياسي قريب من الحزب إن بري لم يعد قادرًا على مواجهة ضغط واسع لعزل الحزب سياسيًا بعد الهجوم الأخير.
وفي المقابل، رفض حزب الله القرار الحكومي، وقال مسؤولون فيه إن “المقاومة” لا ينبغي تحميلها مسؤولية ما جرى، في مؤشر إلى أن القرار فتح باب مواجهة سياسية داخلية قد تكون طويلة ومعقدة.
ميدانيًا، وسّع الجيش الإسرائيلي نطاق ضرباته على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في الجنوب والشرق، في وقت قالت فيه السلطات اللبنانية إن الهجمات أسفرت عن مئات القتلى وأكثر من 759 ألف نازح حتى 10 مارس/آذار.
كما ربطت أطراف سياسية لبنانية بين استمرار الحرب وعجز الدولة عن فرض حصرية السلاح، في وقت يواصل فيه الحزب رفض نزع سلاحه بشكل كامل، وسط مخاوف من أن يتحول أي مسار قسري إلى صدام داخلي واسع.
وتسعى الحكومة اللبنانية إلى تكريس السيادة الأمنية الكاملة للدولة ومنع أي وجود عسكري خارج سلطتها، معتبرة أن كلفة إبقاء هذا الواقع لم تعد تُقاس فقط بالتوازنات الداخلية، بل أيضًا بحجم الدمار الهائل الذي يدفعه لبنان كلما دخل حربًا لا يملك قرارها الكامل.



